النکت العرفانیه حول حقیقۀ القبلة الواحده المعیّنه المکانیه
100 بازدید
موضوع: اخلاق و عرفان

النکت العرفانیة حول حقیقة القبلة الواحدة المعیّنة المکانیة

 إنّ حقیقة العبودیة لاتتحقق الا بالتوجه التام الی حضرة الصمدیة ؛ و هذا التوجه روح العبادة و حقیقتها؛ و عند فقدانه، یبقی من العبادة جسداً و قالباً من دون الروح و الحیوة المقوّمة. وقد نعلم أنّ التوجه امرٌ قلبیٌ و منشأه النفس الانسانی؛  و فی طور العباداة، تکون ماهیتها الاصلیة، الارتباط الروحانی و المعنوی بین العبد و المعبود.

 و من حیث انّ المعبود تبارک و تعالی منزّه عن المادة و شوائبها و شئوناتها السفلیّة ؛ و تقدّس عن الادراک الحسّی و اسبابه و لوازمه النازلة ؛ تنزّل هذا الامر القلبی– أی التوجه النفسانی- علی وجه الرمز و التمثیل بظهورالافعال و الحرکات المخصوصة و الهیئات المناسبة و المناسک المأثورة، بالتجلّی والإظهار؛ کنهایة الخضوع فی الرکوع و السّجود الظاهری– مثلاً- لبیان تمامیة التذلّل و الخشوع الدالّ علی السّلم و التسلیم الباطنی. و الطواف أو الذبح فی المِنی، علامة للتفدیة النفس و دفن التمنیات و التعینات. او الزکاة و الصدقات و اخراج الحقوق المالیة للتفدیة المال و التخلّی من العلاقات و التعلقات المانعة فی طریق سیر الی الله و الوصول الی الکمالات الالهیة. او الوضوء و الغسل لتغسیل الهواجس الدنسیة و دفع الأقذار بل ألأغیار المکدرة عن حریم القلب؛ و تحصیل الطهارة اللازمة للحضور عند ملیک مقتدر و شرب مقام القرب. و هکذا سایر الافعال و الاعمال العبادیة و المناسک المختلفة النسکیة.

و کل ذلک من المذکورات، و اُخر المذکورة فی مسائل ابواب الفقهیة، انواع کثیرة من ظهور التوجه واستقبال العبد للمعبود و تمثیلات شتی من تجلی التوجه و تفصیل الذکر و التذکراللازم لحقیقة الایصال و الحضور. فأمره سبحانه و تعالی تشریعاً باستقبال الکعبة بنحو الخاص و وضعها القبلة للجمیع فی آفاق الارض الی الأبد وجعلها "قیاماً للناس"؛ و أن أجمع الناس بالتوجه الی نقطة واحدة على اختلافاتهم الفکریة،المکانیة،الزمانیة،اللسانیة،اللونیة،وغیرها من الاعتباریات المادیة و المعنویة؛ دالّ حقیقتاً علی أن لا ينسى الانسان ربّه في جمیع احواله و یرتسم قیامه و قعوده علی طلبه و ارادته المتعالیة تعالی شأنه. و أن یری العبد معبوده الحمید، المحیط بکلّ الشئ و علی کلّ شئ شهید فی جمیع الأزمنة و الأمکنة و مادونهما و مافوقهما العلمیة و العینیة؛ کما قال الشیخ البهائی(رض) بالفارسیة:

هردر که زنم صاحب آن خانه توئی تو /  هر جا که روم  پرتو کاشانه توئی تو

درمیـکده و دیــر که جانانه توئی تو /  مقصود من از کعبـه و بتخانه توئی تو

مقصود توئی کعبه و بتخانه بهانه

 و أیضاً أن یقدروا أنّهم بذلک أن یصلوا الی الوحدة الاجتماعیة و الاشتراک الاغراضیة و الالتیام القلبیة تمهیداً لتکوین الامة الواحدة. و هذه النعمة بعد تلک الحیثیة الأساسیة، من اکبر النعم النازلة علی المسلمین الموجبة لحفظ القدرة و الشوکة اللازمة للعزة و العظمة الخاصة. بل البشریة إن کانوا یعلمون و یعملون.

فحقیقة الاستقبال هی انصراف ظاهر الوجه عن جهات المتکثرة إلى الجهة الواحدة، مشیراً لإنصراف القلب من سائر الطرق المنحرفة إلى الصراط القویمة المستقیمة الفطریة. فهذه الظواهر تحريكات للبواطن و تمارین لالزام و إثبات القلب فی جهة واحدة و صرفه عن غیر وجه الله الی وجهه تبارک و تعالی. و لنعلم أن انصراف القلب الی الله تعالی لا یتحقق الّا بالإنصراف عمّا سواه، بالمراتب المشککة. فتبیّن أنّ أصل الاستقبال، ألاستدبار عمّا سوی الله الواحد القهار و التوجه و إلالتفات التام الی مقام الوحدة التوحیدیة. کما روی عن الصادق علیه الصلوة و السلام (الباب13، من کتاب مصباح الشریعة): إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا و ما فيها و الخلق و ما هم فيه، و استفرغ قلبك من كلّ شاغل يشغلك عن الله تعالى، و عاين بسرّك عظمة الله، و اذكر وقوفك بين يديه يوم تبلوا كلّ نفس ما أسلفت و ردّوا إلى الله مولاهم الحق، و قف على قدم الخوف و الرجاء".

والسلام علینا و علی عبادالله الصالحین شعبان المعظم 1436